لعلَّ المقابلة التي بثتها ( قناة العربية ) قبل أيام على جزئين لنائب رئيس الوزراء العراقي الأسبق "طارق عزيز" والتي أجراها معه الناطق الرسمي السابق للحكومة العراقية علي دباغ ، تعيد إلى الأذهان صورة رمز من رموز النظام الوطني العراقي المتمسكين بمبادئهم والمؤمنين بها.
صحيح أن ما قام به الدباغ هو استغلال لمنصبه الرسمي، حيث أجرى هذا اللقاء في عام ٢٠١٠ في مبنى القيادة العامة لحزب البعث بحجة أنه ينوي إعداد كتاب عن العراق، ولم يقدم نفسه لعزيز بصفة مراسلا صحفيا وهو تصرف خارج عن السياقات المهنية والقانونية المتعارف عليها، إلا أن الجمهور العربي كسب فرصة التعرّف من خلال طارق عزيز إلى تاريخ العراق في فترة حكم صدام حسين عندما كان فيها عزيز وزيراً للخارجية ونائبا لرئيس مجلس الوزراء، كما تعرّف على تفاصيل وأسرار كواليس المشهد السياسي في مرحلة غزو العراق من قبل الأميركيين في عام ٢٠٠٣ حيث كان عزيز مقرّباً جدا من الرئيس صدام .
بدأ المحاور الدباغ في أسئلته استفزازياً ، وحاول مراراً أن يثير طارق عزيز، لكن هذا الدبلوماسي العتيق لم يكن ليقع في المصيدة حيث بدا هادئاً يؤكد حين يريد التأكيد ، ويترك المسائل عائمة حين يريد أن يتركها كذلك ،وينفي عندما يريد النفي .
في هذه المقابلة ، يكشف طارق عزيز الكثير من القضايا الملتبسة التي هي محط جدل وخلاف حتى اليوم ، في إجاباته ما يحتمل الخطأ والصواب ولكن - بالتأكيد - هي مرحلة مهمة وخطيرة وحساسة من تاريخ العراق .
لقد تحدث طارق عزيز باحترام شديد عن رفيق دربه الراحل صدام حسين ، فكان يشير إليه على أنه رجلٌ عظيم مثقف يحترم كل من يعمل معه من القيادات ولا يتعامل مع الناس بالسوء .
وأضاف بأن : " صدام كان زعيماً وقائداً وإنصافاً للتاريخ لم يكن ميالاً للعنف الذي حصل للعراق وهذا العنف فُرض عليه ".
كما قال إن : " صدام بنى الدولة وكان ذكياً ومثقفاً وحصل على ثقافته من القراءة وأقام البنى التحتية للبلاد وبنى العراق وارتقى به إلى مراتب عليا بين الدول ، وحقق تقدماً صناعياً كبيراً خصوصاً في المجال العسكري ".
لكنه استدرك قائلاً : " الرجل ابتلي بمن حوله ، فهؤلاء كانوا ضعفاء وسلبيين ومنهم حسين كامل الذي كان كالسرطان بالنسبة للقيادة ، وقد ورّط صدام في الكثير من الأمور" .
لقد تحدث عزيز عن صدام حسين وجزم بأنه كان رجلاً وطنياً عراقياً لا يفرّق بين عربي وكردي أو سنّي وشيعي ، ما حاربه ليس الشيعة ، كمذهب ، وإنما الأحزاب الشيعية في العراق التي كان لها أهداف في الإطاحة بصدام والسيطرة على البلاد بالاتفاق مع الخميني .
وعندما سأله المحاور الدباغ عن أكثر شخصية يكرهها صدام حسين ؟ .. أجابه عزيز: صدام لا يكره أحداً..
علّق الدباغ مستغرباً : ماذا عن بوش ؟ والخميني؟ .
ردَّ عزيز : تلك هي علاقة سياسية وليست كرهاً شخصياً.
كما تحدث عزيز عن عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق، وعدم سعي صدام لامتلاك هذه الأسلحة وإن موضوعها كان مفبركا واتهاما غير صحيح للإطاحة به وبحكمه.
مواضيع كثيرة طُرحت خلال هذه المقابلة ، وهي فعلاً عن التاريخ وللتاريخ ( كما أسمتها قناة العربية ).. فهذه المرحلة يجب توثيقها ومعظم رجالاتها إما توفوا أو في بلاد الله الواسعة، وكون عزيز قطبا من أهم أقطاب نظام حكم الراحل صدام ، وأهم رجالات تلك المرحلة فإن في الأسرار والخبايا السياسية التي قدمها وثيقة مهمة للتاريخ .
من أجمل ما قاله عزيز في هذه اللقاء التاريخي : سأبقى وطنياً عراقياً حتى لو كلفني ذلك الموت .
د.فطين البداد
Comments
Post a Comment