بينما شغلت القضية الكردية وما صاحبها من عمليات دموية اهتمام حكومة التنمية والعدالة في تركيا على الصعيد الداخلى، انشغل الرأي العام العالمي والتركي بأخبار القتال في سوريا واقتراب لظاه من الحدود التركية الجنوبية حيث سقط قتلى وجرحى في البلدات المحاذية للحدود التي كانت في غابر الأيام مكاناً للتلاقي والتلاحم بين مواطني البلدين : أيام الدفء السياسي بين القيادتين والشعبين، ثم ما تلاه من تدفق غير مسبوق في أعداد اللاجئين السوريين الذي فاق الـ ١٥٠ ألفا .
الحكومة التركية قطعت وقتاً لا يُستهان به في إصلاح وترميم ما أفسدته الأزمة السورية مع دول الجوار والأسرة الدولية بعدما أعلنت موقفها الثابت بضرورة إسقاط نظام الأسد في سورية وبدء مرحلة ديموقراطية جديدة ، ليكون من حق الشعب السوري تقرير مصيره بنفسه ، وعلى رأس هذه الدول التي شهدت توتراً مع تركيا نتيجة موقفها المتشدد من النظام السوري : إيران والعراق اللتان تدعمان نظام الأسد، وروسيا التي تربطها معها علاقات اقتصادية وتجارية متينة، وحتى واشنطن لأنها لم تهتم بالشكل الكافي بالأزمة السورية ولا سيما في عام الانتخابات الرئاسية الأميركية ، بل في مختلف مراحل الصراع .
عامان مرا من عمر الثورة السورية ، والعلاقات متوترة وساخنة بين تركيا ونظام الأسد ، إذ تتهم تركيا النظام بالإجرام ، ويتهم النظام تركيا بأنها إحدى الدول المموّلة للإرهابيين والداعمة للعصابات المسلحة وأنها أحد الأقطاب الأساسية في مؤامرة تدمير سوريا ، متناسيا شعار شبيحته : " إما الأسد أو نحرق البلد " .
يجيء هذا الخلاف بين حكومة أردوغان ونظام الأسد بعد علاقة متينة شهدتها الدولتان قبل بدء الثورة السورية حيث تم إلغاء " فيز " العبور بين البلدين، ووصلت درجة هذه العلاقة إلى تخلى الأسد عن لواء الاسكندرونة لصالح تركيا ، وكأن سورية بمدنها وقراها وشعبها ورثة من أملاك أبيه.
اليوم ليس بدعا من الأيام ، فعلى مدى عامين متواصلين تتعرض حكومة أردوغان لهجوم شرس من قبل النظام السوري وأعوانه وشبيحته.. وهناك محاولات شتى لمد الصراع إلى داخل الأراضي التركية من جهة الحدود مع سورية، هذه الحدود التي شهدت توتراً ملحوظاً بلغ ذروته منذ إسقاط طائرة الاستطلاع التركية في يونيو حزيران الماضي من قبل المضادات الجوية السورية في المياه الدولية مما أدى إلى مقتل طيارين ، تلا ذلك طلب أنقرة من حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) حماية حدودها كدولة عضو بالحلف ، فانتشرت صواريخ باتريوت على الأراضي التركية، وبدأ العالم يترقب بقلق أكبر حدود البلدين ، لما يمكن أن يجره الصدام من أقلمة للحرب قد تخلط جميع الأوراق من جديد .
وبالأمس ، خرجت مظاهرات احتجاجية في اسطنبول على قيام الحكومة التركية باقتلاع أشجار حديقة عامة بهدف بناء مركز تجاري.. فخرج متظاهرون ينددون بهذه الخطوة ويرفعون شعارات ضد الحكومة التي قامت بتفريقهم عبر رشهم بالمياه وبالغاز المسيل للدموع.
المضحك المبكي ، هو كيفية تصدي وسائل الاعلام الرسمية في نظام الأسد لهذا الخبر، وكيف تناولته صفحات المؤيدين على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى مواقعهم المختلفة عبر فضاء الانترنت، حيث ثارت ضد هذا الرد " العنيف " ( الذي لا يستحقه الشعب التركي الصديق ) منددة بوحشية السلطات الأمنية التركية في قمع المظاهرات الشعبية التركية السلمية وبوحشية أردوغان " السفاح " الذي رش المتظاهرين بـ " المياه " ! ، ووصل الأمر بأن تدعو أبواق النظام إلى مظاهرات في مختلف أنحاء أوروبا تندد بوحشية نظام الإخوان المسلمين الحاكم في تركية كما جاء في بعض الدعوات .
أرأيتم أوقح من هكذا عصابة ، وهكذا إعلام ، وكيف أن هؤلاء القوم لا يعيشون مأساة وطنهم اليومية حيث قتل الأطفال وذبح واغتصاب النساء وحرقهم واعتقال الشباب والرجال وتعذيبهم وتشريد العائلات وتدمير بيوتهم وقراهم ومدنهم ، وهدم سوريا بكل ما فيها على من فيها ! .
هؤلاء ، يعيشون - كرئيسهم - منفصلين عن واقعهم اليومي ، فتراهم يهللّون لقتل إخوانهم في سورية، لكنهم يستنكرون رش بضعة متظاهرين بالماء .
حقا : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ! .
حقا : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ! .
د.فطين البداد
Comments
Post a Comment